الشنقيطي

249

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

[ المجادلة : 1 ] . وقوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ ق : 16 ] الآية . وتقدم في سورة التحريم قبل هذه السورة مباشرة قوله تعالى : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ [ التحريم : 3 ] الآية ، ففيه بيان عملي مشاهد بأنه تعالى يعلم السر وأخفى ، ولذا قال تعالى هنا أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] . كما قال في سورة التحريم : قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [ التحريم : 3 ] . وقال القرطبي نقلا عن أبي إسحاق الإسفرائيني : من أسماء صفات الذات ما هو للعلم منها العليم ، ومعناه تفهيم جميع المعلومات ، ومنها الخبير ، ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون ، ومنها الحكيم ويختص بأنه يعلم دقائق الأوصاف ، ومنها الشهيد ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر ، ومعناه ألا يغيب عنه شيء . ومنها الحافظ ويختص بأنه لا ينسى ، ومنها المحصي ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النهار واشتداد الريح وتساقط الأوراق ، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة ، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق وقد قال : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] ، ومن في قوله تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ أجازوا فيها أن تكون فاعل يعلم ، وهو اللّه تعالى ، أي إن الذي خلق يعلم ما خلق ومنه ما في الصدور . وأجازوا أن تكون مفعولا والفاعل ضمير مستتر في الفعل يعلم ، ذكرهما القرطبي وأبو حيان ، وهو واضح ومحتمل . ولكن الذي نشهد له النصوص أنها مفعول كما في قوله : إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 12 ) [ الشورى : 12 ] ، يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ [ غافر : 19 ] . وقوله : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) [ الصافات : 96 ] ، ومن أعمالهم ما يسرون ، وما يجهرون . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [ 15 ] .